عبد الملك الجويني

298

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإن قيل : قد ذكرتم وجهين فيمن أشكل عليه الأمر في ثوبين كما ذكرتموه ، وكان معه ما يتأتى غسل أحد الثوبين به ، فهل يلزمه ذلك ، أم له أن يعتمد الاجتهاد ؟ وسبب الخلاف أن الوصول إلى اليقين ، ممكن ، وما ذكره المزني وصولٌ إلى اليقين ، فهلا خرجتم مذهبه وجهاً ؟ قلنا : لا سواء ؛ فإن من غسل أحد ثوبيه وصلى فيه ، فقد أقدم على الصلاة على يقين من الصحة ، ومن صلى مرتين في ثوبين ، كما يراه المزني ، فكل صلاة مشكلة في نفسها لا مُستند لها من يقين ولا اجتهاد . والذي يحقق ذلك أنه لو كان يكفي اليقين من غير رعاية حالة الإقدام ، للزم على مساق ذلك أن من التبست عليه جهات القبلة في السفر ، فصلى كما اتفق من غير اجتهاد ولا تقليد مجتهد ، ثم تبين أنه كان مستقبلَ جهة القبلة وفاقاً ، فلا يلزمه القضاء . وليس كذلك ، فدل على فساد ما اعتمد المزني ، وهو حسن لطيف ، فافهم . 1062 - ولو أصاب ثوبَ الإنسان نجاسةٌ ، وأشكل مورد النجاسة ، فالوجه غسل جميع الثوب ، فإن صب عليه الماء صباً معمّماً مستغرقاً ، أو غمسه في ماءٍ جارٍ ، أو كثير ، فلا شك أنه يحكم بطهارة الثوب ، على ما سيأتي بعدَ هذا تفصيل القول في النجاسة الحُكمية والعينية . 1063 - ولو غسل من الثوب نصفه مثلاً ، ثم قلَبه ، وغسل نصفه الثاني ، ولا يصب الماء على جميعه أولاً ولا آخراً ، فقد قال صاحب التلخيص : لا يجزئه ذلك ؛ فإنَّ ورود النجاسة مستيقن ، والغسل على هذه الصفة لا يفيد إزالة النجاسة بيقين ؛ فإنه لا يمتنع تقدير النجاسة على منتصف الثوب مثلاً ، ولو فرض الأمر هكذا ، لكان الغَسل المفروض فاسداً ؛ فإنه أتى في النصف الأول على نصف النجاسة تقديراً ، فإذا غسل النصف ، تعكَّس أثرُ النجاسة من ذلك النصف على النصف الآخر ، ويغمض إذْ ذاك مُدركُ الأمر ، والأصل بقاء النجاسة ، فهذا مذهب صاحب التلخيص . وقال صاحب الإفصاح ( 1 ) : لو غسل الثوب الذي يشكل نصفين في دفعتين ، جاز ؛

--> ( 1 ) صاحب الإفصاح : أبو علي الطبري ، الحسين بن القاسم ، وقد سبقت ترجمته .